عبد الشافى محمد عبد اللطيف
39
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
بل يروى أن زوجها نفسه - عبد اللّه بن أبي بكر - هو الذي طلب منها أن تحدّث ابن إسحاق وقال لها : « حدثي محمدا ما سمعت من عمرة بنت عبد الرحمن » فقالت له - أي لابن إسحاق - « سمعت عمرة تقول : سمعت عائشة تقول . . . إلى آخر الحديث » فرواية ابن إسحاق إذا عن فاطمة بنت المنذر - زوج هشام بن عروة - ليست حدثا فريدا نادر الوقوع ، بل هو أمر مألوف في تراثنا الإسلامي ولا غبار عليه . وفوق ذلك فإن فارق السن بين فاطمة بنت المنذر وبين تلميذها ابن إسحاق كبير وينتفي معه أي سبب للغيرة - التي هي شيء طبيعي في طبائع الناس لو كان لها ما يبررها - فقد ولدت فاطمة - زوج هشام - ( عام 48 ه ) ، وأما ابن إسحاق فقد ولد ( عام 85 ه ) كما سبق ذكره ؛ فهي تكبره بسبع وثلاثين سنة . * مكانة ابن إسحاق العلمية : سبق الحديث عن مكانة ابن إسحاق العلمية وإمامته في علم المغازي والسير ولا يكاد يوجد خلاف - بل هناك إجماع - على أنه إمام ورائد في ذلك الفن ، وكتابه في سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عمدة في ذلك العلم الجليل ، وعليه اعتمد ومنه أخذ ونهل كل من كتب بعده في سيرة الرسول ومغازيه ، وإليك آراء العلماء في مكانة ابن إسحاق ، ودرجة الثقة به في الحديث الشريف عن رجال الجرح والتعديل . فمن المعلوم أن العلماء - خاصة رجال الجرح والتعديل أو من يسمّون بعلماء الرجال - يتشددون للغاية في الحكم على الرجال الذين يأخذون عنهم الحديث ، أكثر من تشددهم في الحكم على رجال المغازي والسير ورواة التاريخ والأخبار ؛ وذلك لأن الحديث الشريف هو المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية - بعد القرآن الكريم - وينبني عليه معرفة الحلال والحرام ، وأحكام العبادات والمعاملات . لذلك وضع علماء الجرح والتعديل شروطا قاسية لرجال السند - سند الحديث - وهم سلسلة الرواة ، وليس هنا مكان تفصيل ذلك . ورغم كل ذلك فإن معظم علماء الحديث يكادون يجمعون على توثيق حديث ابن إسحاق ، فقد سئل يحيى بن معين - وهو من هو في علم الرجال - فقال : « كان ثقة حسن الحديث » « 1 » . وقال شعبة بن الحجاج : « محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث » ، وقال : « لو سوّد أحد في الحديث لسوّد ابن إسحاق » « 2 » .
--> ( 1 ) راجع في كل ذلك : تاريخ بغداد ( 1 / 218 ، 229 ) . ( 2 ) راجع في كل ذلك : تاريخ بغداد ( 1 / 218 ، 229 ) .